ابن الجوزي
194
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ثم هاجر إلى المدينة أول من هاجر ، وذلك أن الأنصار كتبت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : ابعث لنا رجلا يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن ، فبعث إليهم مصعب بن عمير ، فنزل على أسعد بن زرارة وكان يأتي الأنصار في دورهم وقبائلهم فيدعوهم إلى الإسلام ، وأظهر الإسلام في دور الأنصار ، وكتب إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستأذن أن يجمع بهم في دار ابن خيثمة ، وكانوا يومئذ اثني عشر رجلا ، وهو أول من جمع في الإسلام يوم الجمعة . وقد قيل : إن أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة . ثم خرج مصعب بن عمير من المدينة مع السبعين الذين وافوا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في العقبة الثانية ، فقدم مكة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يقرب منزله ، فجعل يخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بإسراع الأنصار إلى الإسلام فسر بذلك . . وبعثت إليه أمه : يا عاق ، أتقدم بلدا أنا به ولا تبدأ بي ، فقال : ما كنت لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . ولما لقي رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذهب إلى أمه فأرادت حبسه [ 1 ] ، فقال : إن حبستني لأحرضن على قتل من يتعرض لي ، فبكت وقالت : اذهب لشأنك ، فقال : يا أماه ، إني لك ناصح وعليك شفيق ، فأسلمي ، قالت : والثواقب لا أدخل في دينك . وأقام مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بمكة بقية ذي الحجة والمحرم وصفر ، وقدم قبل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المدينة مهاجرا لهلال ربيع الأول قبل مقدم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم باثنتي عشرة ليلة . وكان لواء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الأعظم لواء المهاجرين يوم بدر معه ويوم أحد . ولما جال / المسلمون ثبت به وأقبل ابن قميئة وهو فارس فضرب يده اليمنى فقطعها ، ومصعب يقول : * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِه الرُّسُلُ . . . 3 : 144 ) * [ 2 ] . فأخذ اللواء بيده اليسرى ، وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها ، فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره ، وهو يقول : * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِه الرُّسُلُ 3 : 144 ) * الآية . ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط
--> [ 1 ] في الأصل : « أن تحبسه » وما أوردناه من أ ، وابن سعد . [ 2 ] سورة : آل عمران ، الآية : 144 .